في ذلك اليوم كنت قد انهيت امتحاني الأخير لذلك العام، و بهذا تكون العطلة قد بدأت...
اعتدت في لأيام العطل أن أذهب الى الحديقة التي تقع في الشرع الخلفي لشارعنا لأكتب مذكراتي.
كنت أشعر بأن الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أبوح له بأسراري ليس إلا أوراق بيضاء مجوعة بين دفتين لونهما ازرق سماوي، تنتظر أن تدب بها الحياة ببعض البسمات و الكثير من الدموع، ببع الحبر و الكلمات و الكثير من المشاعر و العواطف.
حملت دفتري قاصدة الحديقة كعادتي، و هناك اخترت ركنا هادئا بعيدا عن الناس... و بدأت الكتابة.
- كيف حالك الان؟ جاءني هذا الصوت من الخلف، استدرت لأعرف من المتكلم، فكان هو....
كان يقف خلفي مبتسما...
ارتسمت معام الدهشة على وجهي لكن سرعان ما تلاشت و تحولت إلى ابتسامة، و قلت بنبرة لا تخل, من التعجب: انت...!
أعاد جملته مرة أخرى و لكن مع ابتسامة اوسع، قال: كيف حالك؟
قلت:
- حمدا لله...
قال:
- و انا ايضا أحمد الله الذي منحني هذه الفرصة حتىأعتذر عما بدر مني اليوم.
قلت:
- لا عليك.. فأنا من يتوجب عليه الاعتذار، كان يجب علي أن أكون أكثر حذرا و أنا أقطع الشارع....
أضاف مبتسما:
- و يجب عليك ذلك عندما تتمشين بمفردك أيضا.
قلت متعجبة، وقد اتسعت عيناي:
- أنت تذكرني مثلما أذكرك إذا! لم اتوقع ذلك..
قال و هو يجذب احد الكراسي:
- أيزعجك أن أجلس معك؟
كنت اعلم أنه كان يجب علي الاعتذار بشكل لائق و أغادر، لكن وجدت نفسي أقول له: تفضل.
جلس على الكرسي المقابل، وقال لي معرفا: اسمي ربيع ياسين، صحفي بجريدة المنبر.
قلت مرحبة: أهلا و سهلا.. و انا حنان جاد الله، طالبة في كلية الحقوق.
قال:
- تشرفت بمعرفتك.
ثم أضاف:
- اتأتين هنا دائما..
قلت:
- تقريبا في أيام العطل, أما في أيا الدوام فنادرا ما أأتي الى هنا..
قال:
- أتصدقين؟ على الرغم من أنني أعمل هنا ننذ فترة لا بأس بها إلا أن هذه هي المرة الأولى التي أدخل بها هذه الحديقة، و قد كانت صدفة جميلة حتى أتعرف بها عليك...
قال:
- يخيل لي أنك لم تشربي شيء بعد.
قلت معتذرة:
لا.. فلا رغبة لي بشرب شيء.
قال:
- انتظريني قليلا.... و ذهب.
أدركت بأنه ذاهب لشراء شيء لنشربه، ولكنه لم يتح لي مجالا للإعتذار فقد ذهب مباشرة، فجلست أتصفح دفتري ريثما يعود.
لم يغب طويلا، جاء و هو يحمل زجاجتي عصير، وضع واحدة أمامي و الأخرى على الجهة المقابلة و رجع الى مكانه.... قال: اتمنى ان تكوني من محبي عصير البرتقال فقد قصدت شراءه اذ أنه العصير الذي يلقى قبولا من الجميع...
شعرت بالخجل، فلم يكن ذلك من اللائق، اذ أن هذه المرة هي المرة الأولى التي أجلس فيها معه، فشكرته...
سألني:
- ماذا تكتيبن؟
فأجبته و أنا اغلق الدفتر:
- شيء لا يستحق الذكر...
قال:
- ليس هناك من شيء يكتب لا يستحق الذكر، لأننا نكتب ما نظنه الأصدق، او دعينا نقول أننا نكتب الأصدق حقا، لأننا لا نستطيع ان نكذب على أنفسنا، أليس كذلك؟
كنت أنظر اليه و هو يتكلم، أتأمله، لقد كان شابا وسيما بالفعل، تبين لي من طريقة كلامه أن له ثقة بنفسه قلما تراه في شباب هذه الأيام... لا أنكر أنه عجبني من اللقاء الأول..
و كأنه لاحظ شرودي عندما تأخرت بالاجابة، فسألني: فيم تسرحين؟
شعرت بالحرج، فقلت فورا: فيم تقول... أجل, أظنك محق.
قام من مكانه و مد يده يصافحني قائلا: جميل هو لقائي بك اليوم... كنت أود لو كان هناك مزيد من الوقت، ولكن يجب ان اعود الى عملي...
لم أعرف بما أجبه، فقد كان ينتظر مني جوابا، فقلت له: سررت بمعرفتك...
قال مودعا:
- على الرغم من أن هذه هي المرة الأولى التي ااتي بها الى الديقة، و لكنني أجزم بأنها لن تكون الأخيرة...
لا أنكر بأنني انزعجت عندما هم بالذهاب، كنت أود لو أنه بقي أكثر... لقد أعجبني حديثه و سحرني حضوره، لكني لم أستطع أن أستبقيه.. و لا أدري لماذا تذكرت ذلك الشعور الذي انتابني عندما رأيته لأول مرة فابتسمت، و تذكرت مثلا كنت أسمعه من امي كثيرا...
لم أستطع النوم في تلك الليلة، فقد كنت أفكر بربيع، و تعجبت من نفسي، كيف يكون قد شغل عقلي هكذا من لقاء واحد...
ان في هذا الشاب لشيء يميزه عن غيره، كلامه، ثقته العالية بنفسه، ملامحه، كل شيء فيه...
...في الصباح كان الوقت يمشي ببطء على غير ما اعتدته في أيام العطل، نظرت الى الساعة فلم تكت تتجاوز العاشرة و النصف... الا تبا لك من ساعة لعينة..
هكذا هي الحياة، تفاجأنا بسرعتها الجنونية عندما نكون أحوج منها الى ذلك الوقت الذي تطويه بين ذراعيها، و يالها من سلحفاة كريهة في الوقت الذي نكن في مع المجهول..
المجهول.... اجل، فأنا لا اذكر أن ربيع قد قال لي ما يؤكد بأنني سأراه اليوم، هو لم يقل لي سوى أن دخوله الأول إلى تلك الحديقة لن يكون الاخير، فلماذا افترضت إذن أنني سأراه اليوم، وكأنه في جملته الأخيرة أراد أن يحمل لي موعدا أخرا، شعرت بحماقتي و أنا أصل الى هذا الحد من التفاؤل، وشعرت بالخجل أيضا لانجراري وراء عواطفي بهذا الشكل الغريب، فماذا لو كان كل الذي قاله لي ليس إلا من باب المجاملة... ذلك جعلني أفكر، ايعقل أن أكون قد أخذت من تفكير ربيع كما قد أخذ هو من تفكيري...
لا، هذه حماقة أخرى أرتكبها بسؤالي هذا خلال دقائق... إذ لا بد أن ربيع قد نسي أمري بمجرد خروجه من الحديقة... و إن حدث و تذكرني فهو بالنسبة له كأي حدث جرى له بالأمس ليس أكثر، بل قد يكون على الأكثر...
و مع ذلك لم أنتظر كثيرا، فقد كنت في حدود الساعة الثانية و النصف أحمل دفتري بين يدي و أخرج من البيت قاصدة الحديقة ذاتها....
في ذلك الركن ذاته كنت أجلس، أنتظر مجيء شخص قد يأتي و قد لا يأتي، أشغل نفسي بالكتابة تارة، و تارة أخرى أشغل نفسي بمراقبة أطفال يلعبون، كان منظرهم جميل، و كانت هذه هي المرة الأولى التي أراقب فيها شيئا كهذا، و تعجبت كيف اني لم أنتبه لجال ذلك.... إذن فهذه إحدى حسنات الإنتظار و أخالها الوحيدة، فهي تعطينا فرصة للتأمل و التمتع بجمالية الظواهر من حولنا.
و جاءني صوته من الخلف مرة أخرى، قائلا: كنت أخشى أن لا تأتي..
قلت و كأنني أخفي تهمة انتظاري له: ألم أقل لك أنني آتي إلى هنا يوميا في أيام العطل.