درجـــــات الجــنـــــــــة :
خلـق الله الجنــة وأورثها عباده الصالحين وجعلهـم فيها متفاضليـن متفاوتيـن, ولذلك كانـت الجنــة درجات يفضل بعضها بعضاَ, وكل ذلك كان فضلاََ من ربك وعدلاَ.. ليشمر ويثابر من اشتاقت نفسه إلى الجنة وعلت همته لأعلى درجاتها, في ذلك النعيم المقيم. فالإيمان والعمل الصالح هما طريق الفردوس فكلما كان إيمان الفرد عالياَ ثابتاَ كانت منزلته رفيعة في تلك الدرجات, وإنما يتفاوت المؤمنون المتقون في ذلك بحسب إيمانهم وتقواهم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ]من آمن بالله ورسوله ، وأقام الصلاة ، وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة ،جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها[،فقالوا يا رسول الله أفلا نبشر الناس؟ قال: ] إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله مابين الدرجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة [ . رواه الشيخان
وأخرج أبو يعلى بسند جيد عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ]إن الرجل لتكون له عند الله المنـزلــة الرفيعــــة فما يبلغـها بعمـل ، فما يـزال الله يبتليه بما يكـره حتى يبلغـها .[
وهكذا نرى أن الدرجات عبارة عن منازل رفعة ، ومقامات عند الله تعالى يبلغ بها المؤمن من النعيم ما لا يبلغه غيره ممن ليس له مثل درجته، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون،وليتسابق المتسابقون.
" ولا يعلم عدد درجات الجنة إلا الله ، و المائة المذكورة في الحديث ضمن درجات الجنة ، وليست هي كل درجات الجنة فإن درجاتها لم يأت نص بحصرها." الشيخ حسن أيوب- عنوان الكتاب:رحلة الخلود،ص:201
تربــة الجنـــــة وطينها وحصباؤها :
أما إذا سئلــت عن تربتـها فهي الـزعفــران وعن حصبائها فهي اللؤلــؤ والياقـــوت وعــن طينـها فهــو المســـك...عن ابن عمر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجنة فقال:]من يدخل الجنة يحيا لا يموت وينعم لا يبأس ، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه[، قيل: يا رسول الله كيف بناؤها ؟ قال:]لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وملاطها مسك أذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت ، وترابها الزعفران.[أخرجه الهيثمي
وعن أي هريـرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ]الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وترابها الزعفران وطينها المسـك.[ أخرجه الهيثمي
غرف الجنـة و خيامها وقصـورها:
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال :
]إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً, للمؤمن فيها أهلون, يطـوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً[. رواه مسلم
أما قصور الجنــة فهي من ذهــب ولؤلؤ وزبرجــد وفضــة.. فلا يعلم حسنـها وبهـاءها إلا الذي خلقـها وبناها سبحانـه
وتعالى... عــن الحســن قال : سألت عمران بن حصين و أبا هريرة رضي الله عنهما عن تفسيــر هــذه الآيـة:
)و مساكـن طيبـة ( فقالا : على الخبير سقطـت سألنا عنها رسـول الله صلى الله عليه و سلم فقـال :
] قصر من لؤلؤة في الجنة في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زبرجدة خضراء في كل بيت سيعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون ، و على كل فراش سبعون امرأة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة ، على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام ، في كل بيت سبعين وصيفاً و وصيفة فيعطي الله تبارك و تعالى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله [.
أنهـار الجنـــــة:
وبين تلك القصور الفخمـة , والخيام البهيــة تجري أنهار عذبة طيبة.. أعدها الله للمؤمنين ونوَّع أجناسها وشرابها, فمنها المــاء ومنها العســل ومنها الخمــر ومنها اللبـن ،قال الله تعالى :)مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم( سورة: محمد ، الآية: 15
فماء الدنيا يأسـن ويأجـن من طول مكثه.. لكن مياه أنهار الجنة لا تأسن.. ولبـن الدنيا تصيبه الحموضـة إذا طال مكثه لكن لبن الآخرة لا يتغير طعمه, وخمر الدنيا كريهة المذاق كريهة الرائحة أما خمر الجنة ففيها من اللذة ما يبعث على الشرب, وعسل الدنيا تصيبه الأخلاط فلا يصفو, أما عسل الجنة فصاف لامع طري.
أشجــار و ثمـار الجنــــة:
ومن نعيم الجنة الخالد, كثرة الأشجار, ووفرة طيب الثمار, فأشجارها لا يقدر قدرها إلا الذي خلقها ، من كثرة أغصانها وطولها وانسياب أركانها وأعوادها, ولقد أودع الله فيها من جمال الشكل وحسن المنظر وبهاء اللون ورونق المظهر وامتداد الظل وطيب الثمار مالا يخطر على بال ولا رأته عين ولا سمعته أذن.
قال الله تعالى:}وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين(27)في سدر مخضود(28)وطلح منضود(29)وظل ممدود(30)ومآء مسكوب(31)وفاكهة كثيرة(32)لا مقطوعة ولا ممنوعة .{
سورة الواقعة ،الآية:27-33
وأشجار الجنة سيقانها من ذهب ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ] ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب [.رواه الترمذي وحسنه ابن حبان
ومن تلك الأشجار ما إن ظلها ليسير فيه الراكب مائة عام وما يقطعه ، قال صلى الله عليه وسلم:
]إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها ، اقرءوا إن شئتم } وظل ممدود [{ أخرجه الشيخان
سـوق الجنـــــــة:
وفي الجنــة سـوق لكنه ليس كأسواق الدنيا إذ كل ما فيه لا يباع ولا يشترى .. ففي جزء من حديث طويل أخرجه الترمذي قال النبي صلى الله عليه وسلم:]فيأتون سوقا قد حفت بها الملائكة فيها مالم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب، قال: فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيه ولا يشترى [.
وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ]إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا ،فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا، فيقولون: والله وأنتم لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا.[ رواه مسلم
أدنى أهـل الجنـــــة منزلة:
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ]إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا الجنة: رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله تبارك وتعالى له: اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله تبارك وتعالى له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول اللهله: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها-أوإن لك عشرة أمثال الدنيا- قال: فيقول: أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك[، قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه ،قال: فكان يقال:]ذلك أدنى أهل الجنة منزلة[. رواه مسـلـم
وقال التـرمـذي: حدثنا عبد بن حميـد أنبأنا شبابـة عن إسرائيل عن ثوير قال:سمعـت ابن عمـر يقول: قال صلى الله عليه وسلم :
]إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظرُ إلى جناته وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف عام ، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية[ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: } وجوه يومئذ ناظرة * إلى ربها ناظرة{ [.
رؤيـة أهل الجنـــة ربـهم سبحانه وتعالى بأبصارهـم :
قال ابـن قيـم الجوزيـة في كتابه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح": هذا الباب أشرف أبواب الكتاب وأجلها قدرا وأعلاها خطرا، وأقـرها لعيون أهل السنة والجماعة ، وأشدها على أهل البدع والضلالة ،وهي الغايـة التي شمر إليها المشمرون وتنافس فيها المتنافســون وتسابق إليها المتسابقــون ، ولمثلها فليعمل العاملــون".. وذكر الأدلـة من الكتـاب والسنـة على وقــوع رؤيـة الله سبحانـه تعـالى وتحققها في الجنــــة ، ومن هذه الأدلــة:
قوله تعالى: } والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشآء إلى صراط مستقيم (25) للذين أحسنواالحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هـم فيها خالدون(26) .{
سورة: يونس ، الآية:25- 26
وقـد فسـر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزيادة بأنها رؤية الله سبحانه وتعالى... روى مسلم بسنده عن صهيب قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم } للذين أحسنوا الحسنى وزيادة { قال: ]إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا ، ويريد أن ينجزكموه ، فيقولون ماهو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنـة ويزحزحنا عن النار؟ فيكشف الحجاب فينظرون الله ، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة[. ومنها قوله سبحانه تعالى: }وجوه يومئذ ناظـرة(22) إلى ربها ناظرة{. سورة القيامة:22،23
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن ناسا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ]هل تضارون ( أي هل يحصل ضرر أو مانع) في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا:لا يا رسول الله ، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا: لا يا رسول الله ، قال: فإنكم ترونه كذلك[. هذا جزء من حديث طويل رواه مسلم
... وهكذا يشعر المؤمن وهو يقرأ هذه الآيات و الأحاديث في نعيم الجنة وخلود أهلها فيها مع رضوان من الله ورؤية وجهه الكريم أنه لو كان المـؤمــن يقطــع في سبيـل ذلك قطـعا ، ويقضي حياتــه كلها معـــذبا لكان ذلك هيـنا بجانـب ما يناله ويحظى به من الكــرامــة...
قال العلامــة ابــن قيــم الجــوزيــــة :
"'ولما علم الموفقون ما خلقوا له وما أريد بإيجادهم رفعوا رؤوسهم ، فإذا علم الجنة قد رفع لهم فشمروا إليه ، وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه ، ورأوا من أعظم الغبن بيع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر في أبد لا يزول ، ولا ينفذ بصبابة عيش ، وإنما هو كأضغاث أحلام ، أو كطيف زار في المنام ، مَشُوب بالنَّغص ممزوج بالغصص وإن أضحك قليلا أبكى كثيراً ، وإن سر يوماً أحزن شهوراً ، آلامه تزيد على لذاته ، وأحزانه أضعاف مسراته ، أوله مخاوف وآخره متآلف ، فيا عجباً من سفيه في صورة حليم ، ومعتوه في مسلاخ عاقل ، آثر الحظ الفاني الخسيس ، عـلى الحظ الباقي النفيس وباع جنة عرضها السموات والأرض بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات ، ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار بأعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار ، وأبكاراً عرباً أتراباً كأنهن الياقوت والمرجان بقذرات دنسات سيئات الأخلاق مسافحات أو متخذات أخدان.. فواعجبًا لها كيــف نام طالبها ، وكيـف طــاب العيـــش في هــــذه الـدار بعـــد سـمـــاع أخـبــــارهـا "'.