إن الله لا يغفر أن يشرك به
الأسرة داخل البيت تستعد لاستقبال ضيوف أعزاء . مدعوين لتناول طعام العشاء .
إنهم العم وزوجته وأبناؤه . الأم منهمكة ، تعد الطعام . تساعدها ابنتها سارة .
سارة طالبة تتابع دراستها بإحدى جامعات المدينة . ملتزمة متحجبة . تخصص يوميا ما يناهز ستين دقيقة ، لتناقش وتدرس بعض النصوص من القرآن أو السنة .
الأب تاجر ورع يدير أعماله في دكانه بأحد الشوارع الرئيسية بالمدينة ..
الأم مدرسة ، مثقفة مهتمة بمختلف علوم القرآن والحديث . تعمل باستمرار على ترسيخ المنهج الإسلامي القويم ، وتشخيصه بسلوكات الأسرة من خلال وقائع السيرة النبوية وسلوك الصحابة والتابعين .
ألغت سارة كل برامجها وتفرغت لتلبية طلبات أمها . سمعت صوت عمها صاعدا عبر سلم المبنى . تنفذ جلبته وتقتحم عليها زاويتها بمطبخ البيت . تخاطب نفسها : لا زال عمي مهدارا ثرثارا كما أعرفه ، لم تتأثر نبرات صوته القوية بضعف نظره ولا بتقدمه في السن .تتذكر صراعه القديم مع والدها على طريقة اقتسام إرثهما من أموال المرحومة جدتها . كان يغلظ القول ويوزع الشتائم على كل الحاضرين كبارا وصغارا . لم يقبل نصيبه حتى تنازل والدها عن قسط مهم من حقه . فضل أبوها الحفاظ على صلة الأخوة مع أخيه .تتساءل دائما عن سر الاختلاف بين الأخوين في الطبع والمزاج والتعامل .حمدت الله على وداعة أبيها ودماثة خلقه وطيبوبة تعامله .
دفع عمها الباب بقوة ، وسلم بصوت عال مدوي . يتبعه أبناؤه وزوجته . كانوا جميعا في استقبال الضيوف ، للترحيب بقدومهم . أخذ العم مكانه في صدر البيت ، ودون أن يطلب منه أحد ، بدأ يوجه جملة من النصائح في مجالات الاقتصاد وصلة الرحم ، والصلاة ، مستشهدا بنصوص محفوظة عن ظهر قلب ، لا يميز بين قرآن وحديث وقول مأثور ثم تطرق إلى إعطاء رأيه في العديد من القضايا كحوادث السير وغلاء المعيشة ، ويردسبب استفحالها - إلى غضب بعض المشايخ المقبورين في أضرحتهم المنصوبة هنا وهناك ، وعدم ارتياحهم لسلوك عامة الناس في عصرنا .
كانت سارة منشغلة مع أمها ، وكلما عادت إلى قاعة الضيوف ، وجدت عمها لا زال يحكي ويتكلم .بصوت خشن صاخب ، له رجع كهدير الموج العاتي المتلاطم .
استغربت حال عمها فوقفت مشدوهة تتتبع ما يقول . لا تستفيد شيئا مما يردد ، واسترعى انتباهها أنه في آن واحد يحكي ويخبر ، ويؤكد وينفي ، ويقسم كثيرا بأيمان ذات صيغ متنوعة . وكأنه يتوقع من بتهمه بالهراء والافتراء ، ثم إنه غالبا ما يقسم بشرفه أو بأحد الشيوخ المقدسين لديه
تيقنت سارة من زلـله وفساد معتقده . قررت الردعليه ، لكنها خشيت ردة فعله التي لا تستطيع توقع نتائجها . ترددت كثيرا ، ثم عزمت على الرد مرجحة صواب تدخلها . نصحتها أمها بضرورة انتقاء كلمات وجمل خطابها ، لتتجنب إثارة عمها وإغضاب والدها .
فكرت مليا ، وزعمت أنها قرأت قصة فتاة صالحة ، رأت في المنام أمها المتوفية تعاني من ألوان الحرمان والعذاب بسبب شركها واعتقادها أن شيخا يعطي ويمنع ويعالج ويصيب ، وكانت تكثر من اليمين وتحلف بغير الله ". .
وجم عمها وأدرك المغزى المقصود مما تحكي . وأطرق طويلا ولسان حاله يقول : لو أني مكان المرأة لنلت أكثر وأقسى مما نالت ...