
لطرق الصوفية في العصر الحديث وأثرها التعبدي والعقدي
فهذا مبحث مختصر في ثلاثة مطالب حول الطرق الصوفية في العصر الحديث وآثارها العقدية والتعبدية في العالم الإسلامي، وهو محاولة لإلقاء الضوء على مدى الانحراف الصوفي الذي تمارسه هذه الطرق وأثرها في تشويه صورة الإسلام ورسالته الحنيفة الداعية إلى توحيد الله وحده وإخلاص العبادة له سبحانه، وفيه رد على دعاة الصوفية المعاصرين ممن يحاول إلباس التصوف لباس الشريعة والزهد.
الطريقة في اللغة: تطلق على السيرة، والمذهب، والحال([1]).
وأما الطريقة في اصطلاح الصوفية فهي:"السيرة المختصة بالسالكين إلى الله-تعالى- من قطع المنازل والترقي والمقامات"([2]).
تاريخ الطرق الصوفية وتطورها:
معنى الطريقة في القرنين الثالث والرابع الهجريين هو شيخ له مسلك معين يلتف حوله المريدون([3])، وفي القرن الثالث وحتى نهاية الخامس أصبح للطرق الصوفية شيء من التميز عن جمهور المسلمين، ولهذا نجد أن الهجويري يحصر تلك الطرق في اثنتي عشرة طريقة كلها مقبولة عند الصوفية ماعدا: السالمية، والحلاجية لقولهما بالحلول والامتزاج([4]). وهذا يدل على أن الصوفية في تلك الفترة كان لديهم تحفظ على مثل هذه المعتقدات المخالفة، ولهذا لم يعد الهجويري أصحاب هذا المعتقد ضمن طرق المتصوفة.
إلا أن هذا المعنى قد تغير فيما تلا ذلك من القرون، حيث أصبحت الطرق بدءاً من القرن السادس لها بيعة معينة وأوراد، وزي خاص، وموالد معينة، وأضرحة، وزوايا يجتمعون فيها، وأصبح لكل شيخ طريقة، وخلفاء يأتون من بعده، إلى غير ذلك من البدع المحدثة.
وأقدم الطرق الموجودة اليوم: الطريقة القادرية، ومؤسسها الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت:561هـ)، وهو وإن كان في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة، إلا أنه قد خالف الصواب في جملة من المسائل سيأتي ذكرها.
ثم جاء بعده السهروردي (ت:632هـ) مؤسس الطريقة السهروردية، فزاد تحديد لون معين في خرقهم وألبستهم، ثم تتابعت البدع في القرن السابع ومابعده، فأصبح من شروط السالك في أي طريقة صوفية كالطريقة القادرية، والرفاعية، والشاذلية، والنقشبندية، وغيرها التزام البيعة لشيخ الطريقة أو أحد خلفائه، واشتد التزام هذا الشرط كثيراً عند المتأخرين كأصحاب الطريقة الختمية، والتجانية وغيرها.
والبيعة عندهم لها عبارات معينة، وأسلوب خاص في أخذها، وإن كانت متشابهة عند غالب الطرق، وكذلك الالتزام بزي معين: فمثلاً القادرية زيهم أبيض، والرفاعية أسود أوحالك الزرقة أو الخضرة، والبدوية (الأحمدية) أحمر.
كما أصبح لكل طريقة ورد معين من وضع شيخها، وصار لكل طريقة أضرحة يقومون بسدنتها واستغلال مواردها، فالشاذلية يشرفون على قبر الشاذلي، والمرسي، والرفاعية يشرفون على قبر الرفاعي، وكذلك البدوية والدسوقية وغيرها كثير.
وأصبح من تقاليد هذه الطرق توريث المشيخة بين الأب وابنه -خاصة- نتيجة لأدعاء غالبهم الانتساب لآل البيت، وورّثوا كذلك سدانة القبور والقيام عليها([5]).
المطلب الأول / أشهر الطرق الصوفية حديثاً.
الطرق الصوفية كثيرة جداً يصعب حصرها، ولكن أشير فيما يلي إلى بعض الطرق المشهورة الكبار، وغيرها يتفرع منها، كما ينبه هنا إلى أن هذه الطرق نشأت بعد القرن السادس الهجري ومابعده، لأن الطرق التي نشأت في القرنين الثالث والرابع الهجريين قد انتهت، وإن كانت هي الأساس الذي قامت عليه الطرق الصوفية المتأخرة ([6]).
1- الطريقة القادرية:
وهي المنسوبة للشيخ عبد القادر الجيلاني.
وهو عبدالقادر بن أبي صالح بن عبد الله الجيلاني ثم البغدادي، ولد بكيلان، ووفد بغداد شاباً سنة 488هـ، وتفقه على عدد من مشايخها خاصة أبي سعد المُخَرَّمي، كان على مذهب الإمام أحمد في صفات الله عز وجل، وبغض الكلام وأهله، وفي القدر، وفي الفروع. خلف شيخه أبا سعيد المُخَرَّمي على مدرسته، ودرَّس فيها وأقام بها،كماجلس للوعظ سنة 520هـ، وحصل له القبول من الناس، واعتقدوا ديانته وصلاحه، وانتفعوا بكلامه ووعظه حتى توفي سنة 561 هـ.
قال ابن السمعاني عنه: إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح، ديِّن خيِّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة.
مما اشتهر عن الشيخ عبد القادر -رحمه الله- مما يدل على فقهه وثبات قدمه في العلم ما حكاه عنه ابنه موسى قال: (سمعتُ والدي يقول: خرجتُ في بعض سياحاتي إلى البرية، ومكثت أياماً لا أجد ماءً، فاشتد بي العطش، فأظلتني سحابة نزل عليَّ منها شيء يشبه الندى، فترويت منه، ثم رأيت نوراً أضاء به الأفق، وبدت لي صورة، ونوديت منها: يا عبد القادر أنا ربك، وقد أحللت لك المحرمات، أوقال: ما حرمتُ على غيرك؛ فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اخسأ يا لعين؛ فإذا ذلك النور ظلام، وتلك الصورة دخان، ثم خاطبني،وقال: يا عبد القادر نجوتَ مني بعلمك بحكم ربك،وفقهك في أحوال منازلاتك، ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق؛ فقلتُ: لربي الفضل والمنة؛ قال: فقيل له: كيف علمتَ أنه شيطان؟ قال: بقوله: وقد أحللتُ لك المحرمات)([7]).
وهو المؤسس للطريقة القادرية كما يقول: "ويجب على المبتدئ في هذه الطريقة الاعتقاد الصحيح، الذي هو الأساس فيكون على عقيدة السلف الصالح.."([8])، وقد ذكر في كتابه "الغنية"بعض البدع العملية، مثل الأوراد والسماع([9])، والتوكل الصوفي([10])، والفقر([11])، وصلوات الأيام والليالي([12])، وغير ذلك، لكن الميزة العظمى للشيخ عبد القادر الجيلاني الاعتقاد الصحيح والرد على أهل البدع، وقد ذكر الأمور السابقة ظناً منه ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم ([13]).
يقول ابن كثير في ترجمة الشيخ عبدالقادر: (وكان فيه تزهد كثير، وله أحوال صالحة ومكاشفات، ولأتباعه وأصحابه فيه مقالات، ويذكرون عنه أقوالاً وأفعالاً ومكاشفات أكثرها مغالاة، وقد كان صالحاً ورعاً،وقد صنف كتاب "الغنية" و"فتوح الغيب" وفيهما أشياء حسنة، وذكر فيهما أحاديث ضعيفة وموضوعة، وبالجملة كان من سادات المشايخ)([14]).
أما أتباع الطريقة القادرية، فقد ابتعدوا عن هذا المنهج، ولم يتمسكوا في طريقتهم بالكتاب والسنة، ولا بقول شيخهم، فذهبوا إلى ما ذهب إليه كثير من الصوفية من الربط بين العقائد الكلامية والتصوف، كما نسبوا للشيخ كثيراً من الكرامات والأقوال التي فيها غلو كبير، والتي تصل إلى الشرك في توحيد الربوبية، وفي توحيد العبادة، ونسبوا له قصائد شركية فيها دعوى الربوبية، ونسبوا إليه القول بالحقيقة المحمدية، ونسبوا للشيخ الورد المسمى"صلوات الكبريت الأحمر" وهو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والباز الأشهب، والقصيدة العينية، وقد تضمنت عبارات تدل على وحدة الوجود([15])، وكذلك ورد الجلالة، ودعاء الجلالة، اللذين تضمنا دعاء أسماء أعجمية يظهر أنها أسماء جن، والسؤال بحقها، وعبارات تدل على وحدة الوجود([16]).
فهذه الأقوال المخالفة للكتاب والسنة قال بها القادرية ممن ينتسبون إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، ولعل أهم مصدر لهذه الطوام العظام، والآفات الجسام، وغيرها كثير، كتاب كبير في مناقب الشيخ عبد القادر جمعها من غير تحرير، أبو الحسن الشطنوفي المصري، وهو قد أساء للشيخ عبد القادر من حيث أراد الإحسان.
يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: (كان الشيخ عبد القادر -رحمه الله- في عصره معظماً، يعظمه أكثر مشايخ الوقت من العلماء والزهاد، وله مناقب وكرامات كثيرة، ولكن قد جمع المقريء أبو الحسن الشطنوفي المصري في أخبار الشيخ عبد القادر ومناقبه ثلاث مجلدات، وكتب فيها الطم والرم، وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع. وقد رأيتُ بعض هذا الكتاب، ولا يطيب على قلبي أن أعتمد على شيء مما فيه فأنقل منه إلا ما كان مشهوراً معروفاً من غير هذا الكتاب، وذلك لكثرة ما فيه من الرواية عن المجهولين، وفيه الشطح، والطامات، والدعاوى، والكلام الباطل، ما لايحصى، ولا يليق نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبدالقادر رحمه الله، ثم وجدت الكمال جعفر الأدفوني قد ذكر أن الشطنوفي نفسه كان متهماً فيما يحكيه في هذا الكتاب بعينه) ([17]).
والقادرية لها فروع في اليمن، والصومال، ومصر، والهند، والمغرب، والسودان، ومنها تفرعت: اليافعية، والنابلسية، والرومية، والعروسية([18]).
2- الطريقة الشاذلية:
تنسب لأبي الحسن على بن عبد الله المغربي، الزاهد الضرير الشاذلي، نسبة إلى شاذلة قرية في المغرب، قدم منها فسكن الإسكندرية مدة، وانتسب في بعض مؤلفاته إلى علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-، يقول الذهبي في ترجمته:
(وهذا نسب مجهول، لا يصح ولا يثبت، وكان الأولى به تركه، وترك كثير مما قاله في تواليفه في الحقيقة، وهو رجل كبير القدر كثير الكلام على المقام، له شعر ونثر فيه متشابهات وعبارات يُتكلف له في الاعتذار عنها، ورأيت شيخنا عماد الدين قد فتر عنه في الآخر وبقي واقفاً في هذه العبارات حائراً في الرجل، لأنه كان قد تصوف على طريقته، وصحب الشيخ نجم الدين الأصبهاني نزيل الحرم، ونجم الدين صحب الشيخ أبا العباس المرسي صاحب الشاذلي، وكان الشاذلي ضريراً وللخلق فيه اعتقاد كبير،كانت وفاته بصحراء عيذاب، وهو قاصد الحج فدفن هناك)([19])، وذلك سنة 656هـ([20]).
له عدة أحزاب منها: حزب البر، وهو الشهير بالحزب الكبير، ويقال له: الورد الكامل زعم فيه أن حزبه "ما كتب فيه من حرف إلا بإذن من الله ورسوله"([21])، وله غيره ([22]).
من أهم معتقدات الشاذلية: تعظيم ضريح الشاذلي لدرجة العبودية، ولهم أدعية يتوسلون فيها بغير الله تعالى([23])، وذلك بأسماء أعجمية قد تكون أسماء للجن، وللشاذلي شعر ونثر فيه متشابهات وعبارات يتكلف له في الاعتذار عنها، كما قال الذهبي ([24])، أما عطاء الله السكندري –وهو من أشهر أعلامهم- فقد جاء في كتابه "الحكم" بما يثبت قوله بوحدة الوجود، وهذا ما أشار إليه شراحها، كما قال ابن عطاء الله بالأنوار كثيراً، التي هي الفلسفة الإشراقية، واعتقاد الشاذلية الظاهر على مذهب الأشعرية الكلابية([25])، كما يدعي الشاذلية بأن الأولياء يعلمون الغيب([26])، كما زعم شيخهم أن الحزب الكبير ماكتبه إلابإذن الله ورسوله، كما يدعون مثل غالب الصوفية رؤية الله تعالى في الدنيا([27])، والحقيقة المحمدية والنور المحمدي، ومما تميزوا به حثهم على اللباس الحسن وترك المرقعات([28]).
هذه أهم آراء الشاذلية العقدية، التي ذكرها شيوخ الطريقة الكبار، وذهب بعض الباحثين إلى أن الطريقة الشاذلية هي أكثر الطرق الصوفية انتشاراً وأكثرها أتباعاً. كما أن كثيراً من أعلام الصوفية المشهورين من المتأخرين ينسبون إلى الشاذلية، مثل: جلال الدين السيوطي (ت:911 هـ) ومن كتبه: "الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية"، وعبد الوهاب الشعراني صاحب الطبقات(ت: 707 هـ)، وعبد الرؤوف المناوي (ت: 1022هـ)، ويوسف النبهاني (ت:1350هـ)، والدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر سابقاً (ت: 1978م) وغيرهم كثير، ومن فروعها: الحصافية، والفيضية، والسالمية وغيرها([29]).
3- الطريقة الرفاعية:
تنسب الرفاعية إلى أحمد بن علي الرفاعي المغربي، المتوفي سنة 578 هـ بالعراق، وقد تسمى البطائحية نسبة للبطائح، والأحمدية نسبة لاسم شيخهم الأول([30]).
وقد غلت الرفاعية في شيخهم مثل غيرهم من الصوفية، ولهذا يقول الصيادي الرفاعي:
بيتان حج العارفون إليهما ****بين الرسول وشبله ببطاح
أعني به المولى الرفاعي الذي ****خلقت أنامله من الأرباح([31])
وللصيادي هذا كتاب"بوارق الحقائق" كله استعانة واستغاثة وتوجه للقبور، وعقيدتهم الظاهرة يتابعون فيها الأشعرية المتأخرة، في تعريف التوحيد، ونفي العلو، وأن القرآن قديم إلى غير ذلك([32])، كما تتابع الصوفية في القول بالحقيقة المحمدية، والنور المحمدي([33]). وقد ذكر الرفاعي ما يشير إلى الحلول أو الوحدة([34])، ووافق متأخروهم أهل وحدة الوجود([35])، ودافعوا عنهم.
كما يوافق الرفاعية الصوفية في الخلوة، والفقر، وذم الفقهاء([36])، وقد ورد عن الرفاعي أقوال في التزام السنة، وفضل العلم، والتزام حدود الشرع وغير ذلك([37])، لكن لم يأخذ بها أتباعه.
وقد اشتهر عن الرفاعية أحوال ومخاريق مثل أكل الحيات، وملامسة النار، وإظهار الدم([38])، وغير ذلك. وكلها حيل بين شيخ الإسلام ابن تيمية بطلانها في مناظرته لهم([39]). ومن فروع الرفاعية: البازية، والملكية، والحبيبية وغيرها.
والانتساب للرفاعية على وجهين: انتساب بركة، وانتساب إرادة، والأخير فيه التزام وتدرج في الطريق الصوفي([40]).
4- الطريقة النقشبندية:
تنسب النقشبندية لمحمد بن بهاء الدين النقشبندي البخاري، المعروف بشاه نقشبند، المتوفى سنة 791هـ([41]).
ويصرحون بالشرك الأكبر في توحيد الربوبية([42])، والألوهية([43])، وظاهر جلياً أن النقشبندية ممن يقولون بوحدة الوجود أو يميل إليها كثير منهم، وقد كثرت شروحهم لكتب ابن عربي وغيره من القائلين بوحدة الوجود([44])، ولا يخفي أن النقشبندية ظهرت في القرن الثامن الهجري وما بعده والذي يعتبر تفريعاً وشرحاً لكتب ابن عربي وأتباعه عنهم.
وقد ذكر النقشبندية مثل غيرهم من الصوفية: أن الولي يقول للشيء كن فيكون([45])، والحقيقة المحمدية([46])، ورؤية الله تعالى في اليقظة، ومخاطبته([47])، والنقشبندية تتفق مع الطرق الصوفية الأخرى في الخلوة، والفقر، وغير ذلك.
والنقشبندية لها فروع في الصين وتركيا، وبعض بلدان آسيا الوسطى، والهند، وجاوة (اندونيسيا)، ومن فروعها: الصديقية، والخوجكانية ([48]).
5- الطريقة الختمية:
مؤسسها محمد عثمان بن محمد أبو بكر الميرغني المحجوب، يلقب" بالختم " أي خاتم الأولياء، ومنه اشتق اسم الطريقة، كما تسمى الطريقة الميرغنية. ولد في مكة، وينتسب إلى الأشراف كعادة الصوفية، وقد سلك عدة طرق وهي: القادرية، والجنيدية، والنقشبندية، وطريقة جدِّه الميرغنية، والشاذلية الإدريسية على يد شيخه أحمد الإدريس، ثم أسس طريقته من هذه الطرق، واعتبرها خاتمة الطرق.
ومن أعلامهم ابن المؤسس الحسن بن محمد عثمان، الذي أصبح شيخ الطريقة في السودان بعد وفاة والده، وأسس قرية الختمية في شرق السودان كمركز للطائفة، وتوالى عليها أحفاد هذه الأسرة وزعيمها اليوم محمد بن عثمان بن علي الميرغني، وهو زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي في السودان الذي يضم بين صفوفه نصارى وعلمانين وغيرهم من المحاربين للإسلام، وهو حزب معادٍ للإسلام ويرفض تحكيم الشريعة، وتنتشر الطريقة في شمال السودان وشرقه، وجنوب مصر، والحجاز، وقد حظيت الختمية برعاية الدولة العثمانية، وازدهرت في ظل رعايتها لها، وعارض محمد عثمان سر الختم رئيس الطائفة آنذاك دعوة المهدية – طريقة صوفية – وساند الدولة العثمانية، حتى هزم ففر إلى مصر، ثم صاحب الجيش الإنجليزي في حملة استعمار السودان ([49]).
أهم عقائدهم: لا تختلف الختمية عن الطرق الصوفية الأخرى فقد ذكر محمد عثمان الميرغني أنها خلاصة الطرق الصوفية الخمس السابقة ذكرها، والغالب عليها الطريقة النقشبندية ([50]).
ويتابع الختمية ابن عربي ويعظمونه وأهل نحلته، ويقولون بوحدة الوجود ([51])، وقد قالوا بالشرك الأكبر، فزعموا أن شيوخهم يغيثون من يلتجىء إليهم، ويزيلون الكربات، وأنهم وسيلة النجاة ([52])، ويزعمون ما مفاده استمرار الوحي، وأنهم يتلقون من النبي صلى الله عليه وسلم، فقد زعموا أن كل كتبهم هي من إملاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنهم تلقوا أسس طريقتهم وأورادها وتعاليمها من الرسول صلى الله عليه وسلم [(53)])، وقالوا بالحقيقة المحمدية ([54])، وسائر عقائد الصوفية.
ويدعي شيوخ الختمية النسب الشريف مثل كل الطرق الصوفية، وإن كان في نسبهم أسماء أعجمية، وقد تابعوا الرافضة في دعوى ولاية أهل البيت، وتابعهم الختمية في سب الصحابة ?، واتهامهم بكتم ولاية علي ?، ولكنهم يثبتون ولاية الخلفاء الراشدين، ويعتبرون أنفسهم امتداداً لولاية أهل البيت، لذلك يدعون للتقارب مع الرافضة، ومناصرتهم والدعوة لهم ([55])، ومما اشتهر به الختمية السحر واستخدام الجن ([56]).
6- الطريقة البكتاشية:
تنسب إلى بكتاش ولي، يروي عنه أتباعه أساطير، وهذه الطريقة لها صلة بالانكشارية –جيش الدولة العثمانية-، وقد انتشرت في تركيا،وكردستان،وآسيا الصغرى، وفي ألبانيا غالب السكان على هذه الطريقة، وهي طريقة صوفية في الأصل، وحتى الآن يعتبرها أتباعها طريقة صوفية، إلا أن فيها عقائد نصرانية، ورافضية، فيغلون في آل البيت، خاصة جعفر الصادق، وأحلوا علي ابن أبي طالب ? مكان عيسى ?، ويختفلون بما يشبه العشاء الرباني عند النصارى، وعلى رؤوسهم قلنسوات أسطوانية ذات اثنتي عشرة طية، إشارة إلى الأئمة الإثني عشر، أئمة الشيعة.
وكانت البكتاشية في مصر في عهد الخديوي إسماعيل، وحظيت بعناية أسرته، وفتحت الباب لقبول بعض النصارى، ولها ارتباط قوي بالحركة الوطنية في ألبانيا، ولها أوقاف شائعة في تركيا، ويذكر الباحثون أنها في تزايد مستمر في تركيا ومصر.
أهم عقائدهم: الشرك الأكبر في دعاء الأولياء، وتأليه علي بن أبي طالب ?، ويعترفون بخطاياهم لشيخهم ويغفرها لهم، ويقولون بوحدة الأديان، والتهاون بأداء الفرائض كالصوم والصلاة والحج والزكاة والجهاد، واستباحة المحرمات مثل شرب الخمر، فالخمر عندهم مباحة، ولا يتحجب نساؤهم.
ويوم 16 آب هو عيدهم، حيث يجتمع الآلاف منهم بالألبسة الزاهية، يطوفون حول القبر المقدس في نوشهر في تركيا، ويقيمون الرقصات والأذكار الخاصة بهم، ويطلقون على أذكارهم وحركاتهم في الرقص ( الحضرة )، ويبقى العيد ثلاثة أيام([57]).
7- الطريقة التجانية:
أسسها أبو العباس أحمد بن محمد بن سالم التِّجاني المضاوي. ولد التجاني سنة 1150هـ بقرية "عين ماضي" في الجـزائر. حفظ القرآن في صغره على يد الشيخ محمد التجاني، ثم اشتغل بطلب العلوم الشرعية؛ فقرأ مختصر خليل ومقدمه ابن رشـد والأخضري. ثم مال إلى طريق التصوف، وكان لرحلاته الكثيرة أثر في سلوكه هـذا الطريق. توفي في شوال سنة 1230هـ.
من أشهر التجانيين علي بن حرازم (ت:1217هـ) وهو مؤلف "جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التجاني" أهم كتب الطريقة ([58]).
تنتشر التجانية في شمال أفريقيا وغربها، وأصول الطريقة التجانية مستقاة من أصول الصوفية، فالتجاني درس "الحكم" لابن عطاء، و"الفتوحات المكية" لابن عربي، و"الإنسان الكامل" للجيلي.
أهم عقائدهم: الشرك في شيوخهم([59])، فيحجون إلى فاس حيث قبر شيخهم قبل توجههم للحج إلى مكة([60])، والشرك في الربوبية([61])بوحدة الوجود([62])، واستمرار النبوة والوحي لشيوخهم([63])، فزعموا أن كتبهم من إملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ([64])، ويقولون بالحقيقة المحمدية، والنور المحمدي ([65])، وأن صلاة الفاتح أفضل من القرآن الكريم ([66])، وباقي عقائدهم مثل بقية الطرق الصوفية الأخرى، ويكثر منهم السحرة، ولهم تعاون كبير مع الاستعمار الفرنسي([67]).
*******************************
[1]- انظر: لسان العرب (10/221) مادة:طرق.
[2]-التعريفات للجرجاني، 183.
[3]- انظر: الطرق الصوفية: نشأتها وعقائدها وآثارها، د. عبدالله السهلي ص10 نقلاً عن رسالة في بيان أحوال الصوفية لأبي عبدالرحمن السلمي ص366.
[4]- كشف المحجوب للهجويري، ص404-507.
[5]-انظر: الطرق الصوفية للسهلي ص 10-14.
[6] - انظر: الطرق الصوفية للسهلي ص83.
[7] - شذرات الذهب (4/200).
[8] - الغنية لطالبي الحق، لعبدالقادر الجيلاني (4/200).
[9] - انظر: الغنية (2/590-593).
[10] - انظر: المرجع السابق (2/605).
[11] - انظر: المرجع السابق (2/578-581).
[12] - انظر: المرجع السابق (2/526-533).
[13] - انظر: الشيخ عبد القادر الجيلاني وآراؤه الاعتقادية والصوفية د.سعيد بن مسفر القحطاني.
[14] - البداية والنهاية: (12/252).
[15] - انظر: الشيخ عبد القادر الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص 652 – 653.
[16] - انظر: ورد الجلالة ص 178، ودعاء الجلالة ص 179، ملحقان بكتاب الطرق الصوفية في مصر د.عامر النجار.
[17] - شذرات الذهب (4/200).
[18] - انظر: الطرق الصوفية للسهلي ص84-85، والموسوعة الصوفية: د.عبد المنعم الحفني ص 269.
[19] - تاريخ الإسلام: (48/274-275).
[20] - انظر: شذرات الذهب (5/278).
[21] - النفخة العلية في أوراد الشاذلية جمع عبد القادر زكي، ص2.
[22] - انظر: لطائف المنن لابن عطاء الله ص 128 – 169، والطريقة الشاذلية وأعلامها د.محمد درنيقة ص 82 – 58.
[23] - انظر: النفحة العلية في أوراد الشاذلية جمع عبد القادر زكي ص2، 6، 10، 261.
[24] - انظر: تاريخ الإسلام: (48/274-275).
[25] - انظر: الطرق الصوفية في مصر، للنجار ص 138.
[26] - انظر: طبقات الشعراني (2/13).
[27] - انظر: لطائف المنن لابن عطاء الله ص 129.
[28] - انظر: المرجع السابق ص 215، والطرق الصوفية في مصر، ص138.
[29] - انظر: الطريقة الشاذلية وأعلامها، د.محمد درنيقة.
[30] - انظر: طبقات الشافعية للسبكي (2/5)، وتاريخ الإسلام للذهبي (40/248-255).
[31] - قلادة الجواهر في سيرة الرفاعي وأصحابه الأكابر للصيادي ص 433.
[32] - انظر: الطرق الصوفية للسهلي ص89 نقلاً عن البرهان المؤيد للرفاعي، ت. صلاح عزام ص 20 – 21، 97، 110، 102، 104.
[33] - انظر: البرهان ص 98.
[34] - انظر: البرهان ص 91.
[35] - انظر: العقيدة الحقة لأحمد الرفاعي ص 17 – 19.
[36] - انظر: البرهان المؤيد للرفاعي ص 75-82.
[37] - انظر: البرهان ص 24، 26، ص54، 55، 59 وغيرها، ومقدمة مناظرة ابن تيمية لطائفة الرفاعية ص 4، 5.
[38] - انظر: مناظرة ابن تيمية في مجموع الفتاوى ص 12، وتاريخ الإسلام للذهبي (40/248-255).
[39] - انظر: ابن تيمية ص 12-13.
[40] - انظر: الطرق الصوفية للسهلي ص90، والطرق الصوفية في مصر، للنجار ص 68 – 69.
[41] - انظر: الطريقة النقشبندية واعلامها، د.محمد درنيقة ص 18 – 19.
[42] - انظر: زعم شيخهم القدرة على الإحياء والإماته في المرجع السابق ص 423.
[43] - انظر: المرجع نفسه ص 812، 395، 404
[44] - مثل: شرح فصوص الحكم لمحمد بن بارسا النقشبندي ص 155، وكشف السر الغامض شرح ديوان ابن الفارض، وجواهر النصوص في حل كلمات الفصوص، وإيضاح المقصود من معنى وحدة الوجود كلها للنابلسي. انظر: المرجع نفسه ص 95 – 97، وقد نسب للقادرية مع النقشبندي، وتعليقات على الفتوحات المكية للخطيب الحموي. انظر: المرجع نفسه ص 78.
[45] - انظر: حقائق خطيره عن الطريقة النقشبندية ص 82.
[46] - انظر: المرجع نفسه ص 69.
[47] - انظر: المرجع نفسه ص 137، 95.
[48] - انظر: الموسوعة الصوفية ص 393، 270 – 394.
[49] - انظر: طائفة الختمية د. احمد جلي ص 13 – 38، والموسوعة الميسرة جـ1 / 291- 294.
[50] - انظر: النفحات المكية واللمحات الخفية في شرح أساس الطريقة الختمية تأليف محمد بن عثمان الميرغني ضمن مجموعة النفحات الربانية ص 6، 7، وطائفة الختمية ص 45.
[51] - انظر: لؤلوة الحسن الساطعة في بعض مناقب ذي أسرار الساطعة محمد بن عثمان الميرغني تأليف ابنه جعفر ص 47، والنفحات القدسية من الحضرة العباسية لعبد الله الميرغني ص 140 كلاهما ( ضمن مجموعة النفحات الربانية )، وطائفة الختمية ص 45.
[52] - انظر لؤلوة الحسن الساطعة ص 45، ومنحة الأصحاب لمن أراد سلوك طريق الأصفياء والأحباب ص 115، ( ضمن الرسائل الميرغنية )، والختمية ص 92 – 108، وقد ذكر نصوصهم وأشعارهم.
[53] - انظر: شرح الراتب المسمى الأسرار المترادفه في الدواوين الإلهية،( ضمن النفحات الربانية ) ص 295.
[54] - انظر: النفحات القدسية ص 141، والختمية ص 58.
[55] - انظر: انتسابهم للرفاضة في لؤلوة الحسن ص 39 – 40، انظر: الختمية ص 143 وما بعدها.
[56] - انظر: الختمية ص 125.
[57] - انظر: الكشف عن الصوفية لأول مرة في التاريخ تأليف: محمود عبد الرؤوف القاسم ص 789 – 790، ودائرة المعارف الإسلامية ( البريطانية ) جـ 14 / 37 – 40، والطرق الصوفية في مصر د. زكريا ص 145، وتاريخ الطرق الصوفية في مصر، فريد دي يونج ص 13.
[58] - انظر: التجانية، د. علي الدخيل الله ص48،60 – 63.
[59] - انظر: جواهر المعاني في فيض أبي العباس التجاني تأليف ابن حرزام جـ1 / 46، والفتح الرباني فيما يحتاجه المريد التجاني محمد التجاني ص 5، والتحفة السنية بتوضيح الطريقة التجانية تأليف محمد الطاهر البرناوي ص 187.
[60] - انظر: دائرة المعارف الإسلامية جـ4 / 594.
[61] - انظر: جواهر المعاني جـ 2 / 204، والهدية الهادية إلى الطائفة التجانية د. الهلالي ص 140، والتجانية ص 164.
[62] - انظر: جواهر المعاني ج ـ 2 / 138، 143، 141 وغالب كلامه عن وحدة الوجود، والحقيقية المحمدية، والتجانية ص 87 -88.
[63] - انظر: جواهر المعاني جـ 2 / 143، والدرة الخريدة شرح الياقوته الفريدة للسوسي جـ1 / 219، والتجانية ص 104، والتحفة السنية للبرناوي ص 54.
[64] - انظر: جواهر المعاني جـ 2 / 39، 143، الفتح الرباني ص 70.
[65] - أنظر: رماح حزب الرحيم جـ 2 / 121 – 120، بهامش الجواهر.
[66] - انظر: جواهر المعاني جـ 1 / 50.
[67] - انظر: التجانية ص 66 – 69، ودائرة المعارف الإسلامية جـ 4 / 594 – 595.
منقول