أذكى نصاب في التاريخ .. طيار وطبيب ومحامي (الذكاء الخارق)

سنتحدث في مقالنا هذا عن الرجل الذي يُعتقد أنه أكبر وأقوى نصاب عرفه التاريخ ..
هذا الرجل اسمه فرانك اباغنيل، هذا الرجل قصته عجيبة ومجنونة أيضاً لدرجة أنها لا تصدق من غرابتها، ولهذا السبب أُنتج عنها فيلم يعتبر من أشهر الأفلام التي أنتجتها هوليود، الفيلم اسمه catch me if you can في سنة 2002 .

قصة فرانك وتاريخه مع النصب والاحتيال بدأت منذ أن كان صغيراً في السادسة عشر من عمرهِ، في سنة 1964 في هذا الوقت كان فرانك هارباً من منزله بعد طلاق والديه إلى مدينة نيويورك .
وصل الى المدينة وبدأ بالبحث عن العمل، وكان يعمل أعمالًا بسيطة لعدة ساعات في اليوم لكن دخله كان قليل، وكانت المعيشة صعبة جداً بكمية المال التي يحصل عليها من هذه الأعمال خاصة في مدينة غالية مثل نيويورك .

على إثر هذا بدأ يفكر فرانك في حل لهذه المشكلة ..

فرانك كان شكله أكبر من عمره وكان طوله أكثر من 180cm حتى في المدرسة كان أصدقائه يقولون له أن شكله يوحي بأنه مدرس وليس طالباً !
كان مع فرانك شهادة قيادة وكان تاريخ ميلاده عليها يثبت عمره، قرر فرانك أن يغير رقم واحد في تاريخ ميلاده، إذ أنه كان مولوداً في سنة 1948 فهو غيّر رقم أربعة ووضع مكانها رقم ثلاثة أي أنه أصبح مولود في سنة 1938، فأصبح عمره 26 سنة بدلاً من 16 سنة .

في هذه الحالة أصبح راتبه أفضل لأنه أصبح أكبر سناً حسب تاريخ ولادته المزوّر، هذا الأمر الذي خدع فيه الأشخاص الذين يوظفونه .
وهذه كانت أول عملية نصب واحتيال قام بها فرانك في حياته، مع ذلك ما زال دخله غير كافي.
وحدة من الأشياء التي أخذها فرانك معه عندما هرب من المنزل هي دفتر شيكات، وكان لديه حساب مدخر فيه كمية من الأموال التي جمعها خلال أعمال الصيف التي عمل بها عندما كان في إجازة من المدرسة .

في بعض الأحيان كان يكتب شيكات ويصرفها من حسابه لكي يعوض من نقص الدخل لديه، في الوقت الذي كانت فيه قيمة الدولار الأمريكي ثمانية أضعاف من قيمته اليوم بسبب معدلات التضخم ..
هذه الشيكات كانت حقيقية والحسابات حقيقية وخالية من أي إشكالات قانونية، كان أصدقائه متعجبون جداً من قدرته على تصريف كل هذه الشيكات بسهولة وسرعة فائقة !

أما بالنسبة للصحفيين الذين كانوا يكتبون عن قصة فرانك، فقد كتبوا أن تولد رغبة النصب بدأت عنده من هنا، وأن في ذاك الوقت تبين أن لديه جاذبية من نوع خاص؛ الطريقة التي يرتدي فيها الثياب وطريقة كلامه، وتصرفاته تجعل الناس يثقون به .
وهذا ما جعل فرانك يثق بنفسه إلى درجة كبيرة، وبالتالي عندما انتهى من صرف كامل الشيكات التي كان يملكها .

قرر أن يستمر في كتابة الشيكات وصرفها مع أنها كانت خالية من الأموال في حسابه، وهكذا بدأ فرانك يدخل في مستوى أعلى من الاحتيال والنصب، والشيكات كانت تعود للبنوك التي تعامل معها فرانك ويتم رفضها يعني أن البنوك كانت تستلم الشيكات من فرانك وترسلها إلى البنك المركزي أو الجهة المسؤولة عن صرف الشيكات .
لكن هذه الجهة كانت تكشف الأمر وتعيد الشيكات الى البنوك، وتخبرهم أنها مزورة أو فاضية .

الطيار:

في يوم من الأيام كان فرانك داخل إلى أحد الفنادق ورأى طاقم طيران مكون من طيار ومساعد طيار ومن أربع مضيفات طيران، فرانك وقف يستقبلهم وهو مندهش جداً بهم، كان يفكر بنفسه أنه لو كان طيار كان يستطيع أن يسافر ويسكن في أي مكان بالعالم، ولو ارتدى البدلة الخاصة بالطيران كان مستحيل ان يرفض له أي بنك شيكاً يقدمه، من هنا بدأ يفكر أن يصبح طياراً .

كان دائماً يقول أن الفكرة التي ترتاد إلى عقله يبدأ بتنفيذها دون أن يفكر كثيراً ..

أول شيء خطر في باله هي شركة الطيران Pan Am التي تعد من أعمق شركات الطيران الأمريكية، وقرر أن ينتحل شخصية أحد الطيارين هناك .
أولاً يجب أن يحصل على زي الطيران الخاص بالشركة، اتصل على الشركة وعرف عن نفسه بأنه مساعد الطيار وأنه أضاع بدلته، أخبروه عن الشركة التي تصنع البدلات لكي يذهب الى هناك ويشتري بدلة جديدة، وهو فعلاً ذهب الى هناك واشترى بدلة جديدة على مقاسه، حتى سعر البدلة حوله على شركة الطيران لكي ينخصم من راتبه .

أصبح لدى فرانك بدلة طيران، كل الذي كان ينقصه هي بطاقة الطيار فقط !
وبعدما قام بالبحث استطاع أن يوصل إلى الشركة التي تصنع البطاقات الخاصة بشركة الطيران Pan Am وأخبر الشركة التي تصنع البطاقات أنه صاحب شركة ويريد أن يصنع بطاقات لموظفي شركته، وقال لهم أنه معجب ببطاقات شركة Pan Am أقنعهم بأن يعطوه نماذج عن بطاقات الطيارين في شركة Pan Am، وصنعوا له واحدة باسمه وتحمل صورته كتجربة ..

وكانت البطاقة تحمل اسمه الذي ينتحله فرانك تيلور وصورته، لكن البطاقة لم تكن كاملة ولا تحمل شعار شركة الطيران أو اسمهم، لكنه استطاع أن يكملها بروحه ويصنع نسخة مقاربة جداً للبطاقة الحقيقية .. شيء عجيب فعلاً !

خلال الأسابيع بعدها .. بدأ فرانك يتجول في المطارات وهو مرتدي بدلة الطيار وبطاقته معه، كان يريد أن يتأقلم مع الأجواء ويتعلم بعض المصطلحات الخاصة بالمهنة .

خلال هذه الفترة أيضاً استمر بصرف الشيكات المزورة للبنوك، كما استخدم بدلة الطيار كرمز يعزز ثقة البنك والناس فيه، وهذا يسهل عليه عملية الدخول الى البنوك بكل سهولة وتصريف الشيكات المزورة بكل بساطة .
قرر فرانك أن يخرج في أول رحلة طيران له، كان يطير فرانك عن طريق ميزة اسمها ديد هيدنغ ، وهذه الميزة تسمح للعاملين بشركة الطيران أياً كانت مهمتهم أن يصعدوا الى الرحلة ويسافرون بشكل مجاناً، وهذا إذا كان هناك مقاعد فارغة .

هو كان يستغل موقعه كطيار ويستخدم هذه الميزة، ويسافر على الرحلات ويسكن مع الطاقم بشكل مجاني، وكان مستمراً بصرف الشيكات المزورة في كل مكان لذلك لم يكن لديه أي مشكلة من ناحية الأموال .
ولأنه لا يبقى بمكان واحد لفترة طويلة فمحاولات تعقبه بعد أن تكشف البنوك الشيكات المزورة كانت تبوء بالفشل !
كانت هذه الوظيفة المثالية له، لأنها تسمح له بصرف الشيكات المزورة بكل سهولة وفي نفس الوقت كان يسافر ويستمتع .

استمرت عملية النصب هذه سنتان، كان عمره ما بين 16 أو 18 سنة وقد زار اكثر من 26 دولة بأكثر من 250 رحلة الطيران وقطع أكثر من مليون ونصف كيلو متر .
وبعد هذه السنوات بدأت الوجوه التي يقابلها تتكرر، وكان فعلاً على وشك أن ينكشف عندما أتهمه شخص انه لا يعمل عند شركة الطيران
لكن ذكائه الخارق وسرعة بديهته أنقذته من الموقف دون أن ينكشف .

الطبيب:

على إثر هذا قرر أن يبتعد عن هذا المجال شيئاً فشيئاً، كما قرر أن يستقر في مدينة أطلنطا التي تقع في ولاية جورجيا الأمريكية، وأقدم على عقد استئجار طويل الأمد في شقة، ادعى هنا فرانك أنه طبيب وتخصصه طبيب أطفال من كاليفورنيا
لكنه حالياً في إجازة مدفوعة لينهي بعض الأبحاث المهمة .

في أحد الأيام جاء إليه أحد الأشخاص وهو جاره الذي يسكن بجانبه وهو ذاته الشخص الذي عرفه عن نفسه.
أنه طبيب استشاري في طب الأطفال في مستشفى سميذرز العام، فرانك كان خائفاً أن يكشف أنه منتحل شخصية طبيب لكن لحسن حظه أنه لم يكن فضوليّ، لكنه في نفس الوقت قدم له دعوة لزيارتهم في مستشفى سيمذرز العام ويتعرفون عليه .
استطاع فرانك أن يتفادى هذه الدعوة، لكن في الوقت نفسه قرر أن يزور شهادة طب من جامعة هارفرت أقوى جامعة أمريكية، وكان يقضي وقت طويل في المكتبة ويقرأ عن طب الأطفال ويحاول يتعلم عن المهنة أكثر كي يكون مستعداً لأي موقف يتعرض له بخصوص هذه المهنة .

وبعد عدة أسابيع شعر بان ثقته بنفسه أصبحت كافية لكي يقبل الدعوة التي قدمها له جاره الطبيب .
وافق فرانك على الدعوة وزار المستشفى، وبعد هذه الجولة أصبح يزور المستشفى بكل فترة ويتعرف عليه بشكل دوري .
في أحد زياراته طلب منه مدير المستشفى معروف كبير، طلب منه أن يغطي مناوبة أحد الأطباء في القسم لمدة عشرة أيام
حاول فرانك أن يتهرب من الطلب وقال أنه ليس لديه رخصة لكي يمارس مهنة الطب في جورجيا وأن رخصته محدودة على كاليفورنيا .
قال له المدير أن المناوبة تتلخص في الإشراف على الممرضين والأطباء المتدربين في القسم، كل المطلوب منه هو أن يعدي من لجنة مكونة من خمسة أطباء .

وبعد ذلك لا يوجد أي مشكلة في إتمام هذه المهمة، كانت ردة فعل فرانك الأولية أن يرفض، لأن عليه مخاطر كثيرة في هذا الموضوع، لكن طبيعة فرانك جعلت التحدي جذاباً جداً بالنسبة له .. والمجنون وافق !

لحسن حظ فرانك أن المقابلة مع اللجنة كانت مقابلة خفيفة ولطيفة، لم تكن مقابلة تحقيقية .
نجح فرانك في تجاوزها بسهولة .. وأصبح الطبيب المشرف على المناوبة الليلة في قسم الأطفال، وكان عنده 40 ممرض و8 أطباء متدربين تحت تصرفه وتحكمه .

كان فرانك يتصرف بطبيعة الشخص الذي يكون دائماً ضد القوانين الطبيعية والنمط الاعتيادي للإدارة .
وكان يعطي المجال للأطباء المتدربين والممرضين أن يأخذوا راحتهم في التعامل مع المرضى والحالات التي تصل إليهم .
واعطاهم المجال ليتصرفوا بحرية، دون ان يطلبون تدخله .
بعد نهاية فترة العشر أيام التي هي إجازة للطبيب الأساسي، أثبت فرانك نفسه أمام مدير المستشفى، وأخبره المدير أن الطبيب لن يعود، وطلب منه أن يأخذ هذه المهمة كوظيفة دائمة .
وهو فعلاً وافق على هذه الوظيفة لمدة 11 شهر !! طبيباً مشرفاً ومسؤولاً ..

استمرت الأمور بشكلها الطبيعي الى أن استدعى فرانك إلى غرفة الطوارئ، في هذه اللحظة تمنى أن يتدخل أحد الأطباء المتدربين ويحل الموضوع، حينما وصل إلى غرفة الطوارئ وجد ثلاثة أطباء حول الطفل المصاب الذي كانت حالته صعبة .

سأل فرانك الأطباء المتدربين عن رأيهم في الحالة، ما الذي سوف يقومون به .
فهو لا يعلم أي شيء حول هذا الموضوع ولا يعرف كيف يتصرف في هذه الحالة، لكنه عندما رأى أن الأطباء المتدربين اتفقوا على رأي واحد أعطاهم الضوء الأخضر ليتصرفون مع حالة الطفل وانسحب هو من الغرفة .

بعد هذا الموقف وبعد مضي 11 شهر، شعر فرانك أنه يجب أن يترك مهنة الطب، خاصة بأنه بدأ يشعر بالذنب وأن موقعه هذا سيعرض حياة الكثير من الناس للخطر .

المحامي:

 

غادر فرانك ولاية جورجيا بالكامل وانتقل الى ولاية لويزيانا وهناك التقى بإمرأة تعرف عليها عندما كان منتحل شخصية الطيار
وكان قد أخبرها أن لديه شهادة من هارفرد ولكن في القانون وليست في الطب ..
وكانت أقوى شهادة قانون أمريكية يمكن الحصول عليها، وخلال جولاته مع هذه المرأة رافقها الى حفلة وعن طريق هذه الحفلة عرفته على مساعد المدعي العام لولاية جيسون كولكس .
وعندما علم أن فرانك متخرج من هارفرد وأنه حالياً لا يملك عمل، أخبره أن المدعي العام يبحث عن محاميين شباب ومتميزين في مجالهم، واقترح عليه أن يأخذ امتحان البار ويبدأ بالعمل معاه، امتحان البار هو الامتحان الذي يجب على المحامين أن يتجاوزوه، لكي يحصلوا على الصلاحية الكاملة أنهم يعملون في منطقة معينة .
هنا يجب على فرانك أن يقدم امتحان البار في ولاية لويزيانا ويجتازه، وهذا الامتحان صعب جداً وحتى تستطيع ان تجتازه يجب ان تكون محامي فعلا ً !

وفرانك كان مغرماً بالتحدي الى درجة كبيرة ..

أولاً قام بتزوير شهادة وترانسكربت محترم من جامعة هارفرد، ثم درس بكل جد لامتحان البار واستطاع أن يتجاوزه بدون تزييف وبدون غش !

فرانك كان على مستوى عالي من الذكاء بشكل غير طبيعي ..
وهو قام بكل هذا وعمره فقط 19 سنة، ذهب وبدأ العمل في مكتب المدعي العام .وفي أحد الأيام جمعته الصدفة بمحامي متخرج فعلاً من جامعة هارفرد، وبدأ يسأله عدة أسئلة تفصيلية .

وهذا ما جعل فرانك يقرر أن يتخلص من هذا المجال وينتقل إلى مكان آخر وهو ولاية فويتا وخصيصاً جامعة برغهم يانغ، حيث استطاع أن يخدعهم ويقنعهم أن يوظفونه ساعد بروفسور لمدة ثمانية أشهر، لكن الجامعة تنفي الموضوع ليومنا هذا

طوال هذا الوقت كان فرانك مطلوباً وFBI كان لديهم معرفة عنه ويلاحقوه في كل مكان، وحتى الانتربول (الشرطة الدولية) كانوا يلاحقوه في كل مكان .

فرانك خرج من أمريكا وذهب الى اوروبا ومارس فيها عمليات النصب .
ولكن الاسف حظه نفذ عندما تم اعتقاله في فرنسا من قبل الانتربول، على خلفية مذكرة اعتقال قادمة من السويد كانت صادرة بحقه من أيام ما كان منتحل شخصية الطيار، وصرف عدة شيكات مزورة فيها .

بعدما قضى فرانك عدة أشهر في السجون الفرنسية وبعدها في السجون السويدية، تم تسليمه لأمريكا .
المحكمة الأمريكية حكمت علية 12 سنة في السجن، وخلال فترة احتجازه من قبل السلطات الأمريكية، استطاع أن يهرب مرتين، لكن تم اعتقاله بعدهم مرة ثانية، دخل فرانك السجن وبعد أربع سنوات من الحبس .
ذهبوا إليه FBI وعرضوا عليه صفقة أنهم يخرجوه من السجن، مقابل أن يساعدهم في حل قضايا الاحتيال خاصة القضايا التي تتعلق بالشيكات !!

تزوير فرانك للشيكات كان شيئاً احترافياً حقاً، كان يصنع شيكات مطابقة للشيكات الأصلية بشكل غريب، حتى شركات تصنيع الشركات كانوا مذهولين من الشيكات التي كان يصنعها فرانك .

لذلك قرروا أن يستفدون من خبراته وقدراته بدلاً من أن يبقى مرمياً في السجن، وافق فرانك على هذا العرض وساعدهم في حل مجموعة ضخمة من قضايا الاحتيال ليومنا هذا
لا يزال فرانك حياً لهذا اليوم وعمره 71 سنة، وأكمل عمله مع FBI  لفترة طويلة  في المساعدة على معرفة عمليات الاحتيال والوصول الى المحتالين .
وحالياً لا يزال يعمل في مجاله كمستشار وخبير أمني لعدة شركات، ومن خلال عمله هذا ساعد الكثير من الناس والشركات والمؤسسات، واستطاع ان يجمع ثروة تصل الى عشرات الملايين من الدولارات .

وكما تحدثنا عن الفيلم الذي يلخص قصة حياته، الذي كان من بطولة ليونارد دكابريو وإخراج ستيفين سبلبرغ .
الفيلم حقق نجاحاً كبيراً واستطاع أن يدخل أكثر من مليار دولار .

 

المصدر :

مدونة تجار من وهم

المزيد من قصص المحتالين في العالم:

عمر عايش